اسماعيل بن محمد القونوي

517

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الجهمية « 1 » الذاهبين إلى أن الجنة والنار تفنيان وأهلهما بعد تمتع أهل الجنة بقدر أعمالهم وعذاب أهل النار بقدر سيئاتهم ومنشأ شبهتهم المزخرفة أن البقاء وصف له تعالى فلا يتحقق في المخلوق وأيضا قالوا إنه تعالى لا يخلو « 2 » من أن يعلم عدد أنفاس أهل الجنة أم لا والثاني جهل والأول لا يتحقق إلا بانتهائها وهو بعد فنائهم انتهى . وجوابه أنه تعالى يعلم عدد أنفاس أهل الجنة وأكلها الغير المتناهية قولهم والأول لا يتحقق إلا بانتهائها ممنوع لأن المعقول المتميز لا يجب أن يكون له حد ونهاية يمتاز به عن غيره بالحد والنهاية وإنما يكون كذلك أن لو كان تعقله بتميزه وانفصاله عن غيره بالحد والنهاية لأن وجوه التميز لا تنحصر في الحد كذا في المواقف وشرحه ولنا رسالة في تحقيق هذه المسألة لا يستغني طالب الحق عنها والجواب عن الأول أنه تعالى واجب الوجود ممتنع العدم فمعنى بقائه تعالى أنه لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له في ذاته لا لغيره وبقاء أهل الجنة والنار ليس كذلك لأنه بإرادته تعالى مع إمكان عدمهما في كل لحظة في حد ذاتهما . قوله : ( فإن قيل الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان قلت إنه تعالى يعيدها بحيث لا تعتورها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلا متقاومة في الكيفية متساوية في القوة لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن هذا وإن قياس ذلك العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده من نقص العقل وضعف البصيرة ) هذه الشبهة على قاعدة الفلاسفة لدفعها وللتنبيه على ضعفها والمراد بالأجزاء المتضادة العناصر الأربعة إذ كيفية النار هي الحرارة واليبوسة وهما متضادان لكيفية الماء التي هي البرودة والرطوبة وعليه فقس ما عداه ومعنى كونها معرضة للاستحلالات أنها قابلة للتحول والانتقال فإذا انقلب بعضها إلى بعض تتفتت الأجزاء التي كانت متماسكة قبل الانقلاب مثلا إذا انقلب الماء نارا تتفتت الأجزاء التي كانت متماسكة بالرطوبة التي في الماء وكذا حال اليبوسة والحرارة والبرودة لأن لكل منها مدخلا في تماسك الأجزاء فلا يعقل خلود في الجنان فكيف يقال إن الخلود في النظم الجليل بمعنى الدوام والأبد وهذه الشبهة والمغلطة جارية بعينها في الخلود في النيران وأجاب بتسليم أن الأبدان مركبة من الأجزاء العناصر لكن تركيبها في الإعادة ليس كتركيبها في البداية والدنيا فإنه تعالى يعيدها بحيث لا يعتورها أي لا يعرض لها ولا يتعاقب عليها الاستحالة بأن يعرض لها التغير ويتبدل الأحوال لما دل النصوص النقلية والعقلية أن أحوال النشأة الأخرى لا تقاس على أحوال هذا العالم قوله متقاومة متفاعلة من القيام كما نقل عن المصباح يقاومه أي يقوم مقامه متساوية في القوة كبيان له معنى ومعنى القوة مبدأ التغيير والتأثير من آخر في آخر قيل وفي نسخة متفاوتة من قولهم تفاوت الشيئان إذا اختلفا والنسختان متقاربتان في المعنى إذ

--> ( 1 ) وهم أصحاب جهم بن صفوان الترمذي . ( 2 ) كذا في تفسير السمرقندي .